المقريزي

171

إمتاع الأسماع

بحث تاريخي عن الأناجيل التي بين يدي النصارى إن النصارى كلهم : أريوسييهم ، وملكانييهم ، ونسطورييهم ، ويعقوبييهم ، ومارونييهم ، ويونانييهم ، لا يختلفون في أن الأناجيل أربعة ، ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة . فأولها : ألفه متى ( 1 ) اليوناني تلميذ المسيح عليه السلام ، بعد ثماني سنين من رفع المسيح ، وكتبه بالسريانية في بلد يهوذا بالشام ، وهو ثمان وعشرين ورقة بخط متوسط .

--> ( 1 ) متى : من الاسم العبري ( مثتيا ) ، الذي معناه ( عطية يهود ) وهو أحد الاثني عشر رسولا ، وكاتب الإنجيل الأول المنسوب إليه . وكان متى في الأصل جابيا في كفر ناحوم ، ودعى من موضع وظيفته ، وكانت وظيفة الجباية محتقرة بين اليهود ، إلا أنها أفادت متى خبرة بمعرفة الأشغال ، ولم يذكر شئ من أتعابه في العهد الجديد إلا أنه كان من جملة الذين اجتمعوا في العلية بعد صعود المسيح ، وزعم يوسيبيوس أنه بشر اليهود ، ويرجح أن مؤلف هذا الإنجيل هو متى نفسه ، وذلك للأسباب الآتية : 1 - يذكر لوقا أن متى صنع للسيد المسيح وليمة كبيرة في أول عهده بالتلمذة ، أما متى فيذكرها بكل اختصار تواضعا . 2 - الشواهد والبينات الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهودي متنصر . 3 - لا يعقل أن إنجيلا ( خطيرا ) كهذا هو في مقدمة الأناجيل ، ينسب إلى شخص مجهول ، وبالأحرى أن ينسب إلى أحد تلاميذ المسيح . 4 - يذكر بابياس - في القرن الثاني الميلادي - أن متى قد جمع أقوال المسيح . 5 - من المسلم به أن الجابي عادة يحتفظ بالسجلات ، لأن هذا من أهم واجباته لتقديم الحسابات ، وكذلك فإن هذا الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة . ويرجع أن هذا الإنجيل كتب في فلسطين لأجل المؤمنين من بين اليهود الذين اعتنقوا الديانة المسيحية . واختلف القول بخصوص لغة هذا الإنجيل الأصلية ، فذهب بعضهم إلى أنه كتب أولا في العبرانية ، أو الأرامية التي كانت لغة فلسطين في تلك الأيام . وذهب آخرون إلى أنه كتب في اليونانية كما هو الآن . أما الرأي الأول فمستند إلى شهادة الكنيسة القديمة ، فإن آباء الكنيسة قالوا : أنه ترجم إلى اليونانية ويستشهدون بهذه الترجمة ، فإذا سلمنا بهذا الرأي ، التزمنا بأن نسلم بأن متى نفسه ترجم إنجيله ، أو أمر بترجمته . أما الرأي بأن متى نفسه ترجم إنجيله العبراني ، فيفسر سبب استشهاد الآباء بالإنجيل اليوناني نفسه ، فإن متى يوافق مرقس ولوقا في العظات ، ويختلف عنهما أكثر ما يكون في القصة ، ثم إن الآيات المقتطفة في العظات ، هي من الترجمة السبعينية ، وفي بقية القصة هي ترجمات من العبرانية . ولا بد أن هذا الإنجيل قد كتب قبل خراب أورشليم ، وذهب بعض القدماء إلى أنه كتب في السنة الثامنة بعد الصعود ، وآخرون إلى أنه كتب في الخامسة عشرة ، ويظن ( البعض ) أن إنجيلنا الحالي كتب بين سنة 60 وسنة 65 م ، وأن إنجيل مرقس ولوقا كتبا في تلك المدة نفسها ( قاموس الكتاب المقدس ) : 832 - 833 .